فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه تعالى بدأ أولاً بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى : * ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ) * ( الحديد : 25 ) ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله : * ( علم القرآن ) * * ( ووضع الميزان ) * مثل : * ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ) * فإن قيل : العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة ، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء ؟ نقول : النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في الشيء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة ، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر ، فكما أن العقل والعلم صارا سبباً لبقاء عمارة العالم ، فكذلك العدل في الحكمة سبب ، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما . ثم قال تعالى : * ( أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ ) * . وعلى هذا قيل : المراد من الميزان الأول العدل ووضعه شرعه كأنه قال : شرع الله العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل ، هذا هو المنقول ، والأولى أن يعكس الأمر ، ويقال : الميزان الأول هو الآلة ، والثاني هو بمعنى المصدر ومعناه وضع الميزان لئلا تطغوا في الوزن أو بمعنى العدل وهو إعطاء كل مستحق حقه ، فكأنه قال : وضع الآلة لئلا تطغوا في إعطاء المستحقين حقوقهم . ويجوز إرادة المصدر من الميزان كإرادة الوثوق من الميثاق والوعد من الميعاد ، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن . والوجه الثاني : ( أنّ ) ( أن ) مفسرة والتقدير شرع العدل ، أي لا تطغوا ، فيكون وضع الميزان بمعنى شرع العدل ، وإطلاق الوضع للشرع والميزان للعدل جائز ، ويحتمل أن يقال : وضع الميزان أي الوزن . وقوله : * ( ألا تطغوا في الميزان ) * على هذا الوجه ، المراد منه الوزن ، فكأنه نهى عن الطغيان في الوزن ، والاتزان وإعادة الميزان بلفظه يدل على أن المراد منهما واحد ، فكأنه قال : ألا تطغوا فيه ، فإن قيل : لو كان المراد الوزن ، لقال : ألا تطغوا في الوزن ، نقول : لو قال في الوزن لظن أن النهي مختص بالوزن للغير لا بالاتزان للنفس ، فذكر بلفظ الآلة التي تشتمل على الأخذ والإعطاء ، وذلك لأن المعطي لو وزن ورجح رجحاناً ظاهراً يكون قد أربى ، ولا سيما في الصرف وبيع المثل . * ( وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ باِلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ ) * . وقوله تعالى : * ( وأقيموا الوزن بالقسط ) * يدل على أن المراد من قوله : * ( ألاَّ تطغوا في الميزان ) * هو بمعنى لا تطغوا في الوزن ، لأن قوله : * ( وأقيموا الوزن ) * كالبيان لقوله : * ( ألا تطغوا في الميزان ) * وهو الخروج عن إقامته بالعدل ، وقوله : * ( وأقيموا الوزن بالقسط ) * يحتمل وجهين